الغزالي

41

إحياء علوم الدين

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « من ستر على مؤمن عورته ستر الله عورته يوم القيامة » فهذا إنما يرجى لعبد مؤمن ستر على الناس عيوبهم ، واحتمل في حق نفسه تقصيرهم ، ولم يحرك لسانه بذكر مساويهم ، ولم يذكرهم في غيبتهم بما يكرهون لو سمعوه ، فهذا جدير بأن يجازى بمثله في القيامة وهب أنه قد ستره عن غيرك ، أليس قد قرع سمعك النداء إلى العرض ؟ فيكفيك تلك الروعة جزاء عن ذنوبك ، إذ يؤخذ بناصيتك فتقاد وفؤادك مضطرب إليك طائر ، وفرائصك مرتعدة ، وجوارحك مضطربة ، ولونك متغير ، والعالم عليك من شدة الهول مظلم . فقدر نفسك وأنت بهذه الصفة تتخطى الرقاب ، تخرق الصفوف ، وتقاد كما تقاد الفرس المجنوب ، وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم توهّم نفسك أنك في أيدي الموكلين بك على هذه الصفة ، حتى انتهى بك إلى عرش الرحمن ، فرموك من أيديهم ، وناداك الله سبحانه وتعالى بعظيم كلامه يا ابن آدم ادن منى . فدنوت منه بقلب خافق محزون وجل ، وطرف خاشع ذليل ، وفؤاد منكسر ، وأعطيت كتابك الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، فكم من فاحشة نسيتها فتذكرتها ، وكم من طاعة غفلت عن آفاتها فانكشف لك عن مساويها فكم لك من خجل وجبن ، وكم لك من حصر وعجز ، فليت شعري بأي قدم تقف بين يديه ، وبأي لسان تجيب ، وبأي قلب تعقل ما تقول ثم تفكر في عظم حيائك إذا ذكرك ذنوبك شفاها ، إذ يقول يا عبدي أما استحييت منى فبارزتنى بالقبيح ، واستحييت من خلقي فأظهرت لهم الجميل ؟ أكنت أهون عليك من سائر عبادي ؟ استخففت بنظري إليك فلم تكترث ، واستعظمت نظر غيري . ألم أنعم عليك ؟ فما ذا غرّك بي ؟ أظننت أنى لا أراك وأنك لا تلقاني ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « ما منكم من أحد إلَّا ويسأله الله ربّ